فعلته بعائلتنا
بعد ثماني سنوات على واحدة من أبشع الجرائم الأسرية التي هزّت الولايات المتحدة، عادت قضية الأميركي كريس واتس إلى الواجهة، إثر الكشف عن رسالة كتبها من سجنه إلى زوجته الراحلة شانان وابنتيه بيلا وسيليست، اللاتي أقرّ بقتلهن عام 2018. وفي الرسالة، التي طلب من والديه قراءتها أمام قبور ضحاياه، يعترف واتس بحجم المأساة التي تسبب بها، لكنه يحاول في الوقت نفسه تفسير سلوكه بالحديث عن «قوة شريرة خارجية» دفعته إلى ارتكاب الجريمة.
رسالة إلى الموتى… وطلب غريب من القاتل
كشفت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، في تقرير نُشر في 7 تشرين الأول 2026، تفاصيل رسالة كتبها كريس واتس بتاريخ 10 كانون الثاني 2020، بالتزامن مع ذكرى ميلاد زوجته شانان، التي كان قد قتلها مع طفلتيهما قبل نحو عام ونصف العام.
وبحسب الصحيفة، سلّم واتس الرسالة إلى والديه، رونّي وسيندي واتس، طالباً منهما قراءتها عند قبور زوجته وابنتيه، في خطوة أعادت تسليط الضوء على الجريمة التي أثارت صدمة واسعة في المجتمع الأميركي.
وتبدأ الرسالة بعبارات عاطفية يهنئ فيها زوجته بعيد ميلادها السادس والثلاثين، مستعيداً ذكريات شخصية جمعتهما قبل وقوع المأساة.
لكن الكلمات سرعان ما تتحول إلى حديث عن الجريمة وتداعياتها، إذ يعترف واتس بأنه دمّر مستقبل عائلته وحرم زوجته وأطفاله من الحياة التي كانوا يستحقونها.
«كان أمامك وأمام أطفالنا عمر طويل»
في أحد أبرز مقاطع الرسالة، يعبّر واتس عن رغبته في التعويض عما ارتكبه، قائلاً، بحسب ما نقلته الصحيفة، إن زوجته وأطفاله كانوا يستحقون حياة طويلة لم يتمكنوا من عيشها.
وتحمل هذه الكلمات إقراراً بحجم الخسارة التي تسبب بها، لكنها تثير أيضاً تساؤلات حول طبيعة الندم الذي يعبّر عنه، خصوصاً في ضوء محاولته اللاحقة الفصل بين صورته بوصفه زوجاً وأباً وبين مسؤوليته عن الجريمة.
فالرسالة لا تقدم اعترافاً جنائياً جديداً، بقدر ما تكشف الطريقة التي يحاول بها واتس، بعد سنوات من سجنه، الحديث عن ماضيه وعن أفراد عائلته الذين قتلهم.
«قوة شريرة خارجية»… محاولة لتفسير الجريمة
أكثر ما أثار الجدل في الرسالة هو حديث واتس عن أن الشخص الذي ارتكب الجريمة لا يمثل، بحسب زعمه، الزوج والأب الذي كان عليه سابقاً.
ويصف تحوله إلى قاتل بأنه نتيجة تأثير «قوة شريرة خارجية»، من دون أن يقدم في الرسالة أدلة تدعم هذا التفسير.
وتبدو هذه العبارة لافتة لأنها تجمع بين التعبير عن الأسف ومحاولة إبعاد الفعل الإجرامي عن شخصيته السابقة، رغم أن مسؤوليته عن قتل زوجته وابنتيه ثابتة بحكم قضائي نهائي.
ولا تشكل الإشارة إلى قوة خارجية تفسيراً علمياً أو قضائياً للجريمة، كما لا يمكن اعتمادها دليلاً على وجود اضطراب نفسي محدد.
من صورة الأب المثالي إلى جريمة مروّعة
تعود وقائع القضية إلى 13 آب 2018، عندما اختفت شانان واتس، البالغة من العمر 34 عاماً والحامل بطفلها الثالث، مع ابنتيها بيلا، البالغة أربع سنوات، وسيليست، البالغة ثلاث سنوات، من منزل الأسرة في مدينة فريدريك بولاية كولورادو.
في البداية، ظهر كريس واتس أمام وسائل الإعلام متحدثاً عن اختفاء عائلته، ومناشداً المساعدة في العثور عليها، في مشهد أثار تعاطفاً واسعاً.
لكن التحقيقات كشفت لاحقاً أنه هو المسؤول عن قتل زوجته وطفلتيه، وأنه تخلص من جثثهن في موقع نفطي مرتبط بعمله.
وتبين خلال التحقيق أن واتس كان يقيم علاقة خارج إطار الزواج، وأنه كان يخطط للانفصال عن زوجته.
وفي تشرين الثاني 2018، أقرّ بالجرائم أمام القضاء، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد من دون إمكانية الإفراج المشروط.
ومنذ ذلك الحين، تحولت القضية إلى موضوع لتحقيقات صحافية وأعمال وثائقية، أبرزها الفيلم الذي عرضته منصة «نتفليكس» بعنوان American Murder: The Family Next Door عام 2020.
والدا واتس يكسران سنوات الصمت
لم يقتصر التقرير الجديد على الكشف عن الرسالة، بل تناول أيضاً موقف والدي واتس من الجريمة التي ارتكبها ابنهما.
فبعد سنوات من الابتعاد عن الأضواء، تحدث رونّي وسيندي واتس عن المأساة التي ضربت العائلة، وعن استمرار علاقتهما بابنهما رغم إدانته بقتل زوجته وطفلتيه.
وأشارت التغطية إلى أن والديه وشقيقته لا يزالون يجدون صعوبة في استيعاب كيف انتهت حياة الأسرة بهذه الطريقة.
ويعكس ظهور الرسالة حجم التعقيدات التي خلّفتها الجريمة داخل العائلتين، خصوصاً أن الضحايا لم يعد بإمكانهن الرد على الرواية التي يقدمها القاتل أو تصحيح ما يقوله عن علاقته بهن.
بين الندم ومحاولة إعادة رسم صورته
تتضمن الرسالة أيضاً إشارات دينية، إذ يتحدث واتس عن إيمانه بالله، ويتخيل زوجته وطفلتيه في السماء، مؤكداً أنه كرّس ما تبقى من حياته للسير في طريق ديني.
غير أن هذه التعبيرات لا تكفي وحدها لإثبات حدوث تحول نفسي أو أخلاقي لدى المدان، ولا تمحو الوقائع التي أدت إلى الحكم عليه.
ويبرز هنا سؤال جوهري: هل تعبّر الرسالة عن ندم حقيقي على قتل أفراد أسرته، أم أنها محاولة لإعادة تقديم صورته أمام والديه والرأي العام؟
لا يمكن الجزم بالإجابة اعتماداً على رسالة واحدة، خصوصاً أن تقييم صدق الندم يتطلب معطيات أوسع من العبارات العاطفية أو الدينية.
جريمة لم تُغلق جراحها
بعد ثماني سنوات على وقوع الجريمة، لا تزال قضية كريس واتس تستقطب اهتماماً إعلامياً واسعاً، ليس فقط بسبب فظاعة ما حدث، بل أيضاً بسبب التناقض بين الصورة العائلية التي كان يظهر بها قبل الجريمة والحقائق التي كشفتها التحقيقات.
والرسالة التي كُشفت تفاصيلها أخيراً تعيد هذه المفارقة إلى الواجهة، إذ يخاطب واتس زوجته وطفلتيه بكلمات الحب والاشتياق، بعدما كان هو نفسه من أنهى حياتهن.
وبين الاعتراف بالخسارة ومحاولة تفسير الجريمة بقوة خارجية مزعومة، تبقى الحقيقة الثابتة أن شانان وبيلا وسيليست فقدن حياتهن على يد الشخص الذي كان يفترض أن يكون مصدر الأمان لهن، وأن أي كلمات تُكتب بعد الجريمة لا تستطيع إعادة ما سُلب منهن.
المصادر والمراجع:
- Daily Mail، 7 تشرين الأول 2026: التحقيق الأصلي الذي كشف الرسالة وتصريحات والدي واتس.
- Us Weekly، 7 تشرين الأول 2026: تفاصيل الرسالة الموجهة إلى الزوجة والطفلتين.
- LADbible، 7 تشرين الأول 2026: مضمون الرسالة وظروف كتابتها.
- A&E Crime + Investigation: الوقائع القضائية والتحقيقات في قضية كريس واتس.




